الرئيسية / مقالات / صباحات أكثر كآبة ..!

صباحات أكثر كآبة ..!


فاروق وادي *

«فيه ناس تقول الهزل يطلع جدّ
وناس تقول الجدّ يطلع عبث».

صلاح جاهين

ها قد يمرّ عام بعد عام، دون أن يعود محمّد طمليه من «سحاب»، حيث أودعناه التراب هناك، في يومٍ لم تكفّ فيه ذرّات الغبار عن حركتها اللولبيّة في الهواء، فكأنما ذلك الشقي المولود في قرية «أبو ترابة» (التي يموت أهلها غيظاً)، كان يذكِّرنا بمكان مولده، مؤكداً بصمته الأبديّ أنه من التراب جاء وإلى التراب يعود.
نعترف: لقد غدت صباحاتنا أكثر كآبة، بعد أن تخلّت عنها بهجة كلماته، بسخريتها الجارحة، نحن الذين تعودنا أن نلتقيه على ورق الصحيفة، أو مع ضوء الحاسوب وهو يفتح طاقة على الكون مع الندى وخيوط الذهب المبلولة بالفجر.
برحيل محمّد طمليه، المتوقَّع في حينه والمفاجئ معاً، خسرنا وغداً جميلاً ظلّ يمنحنا البهجة وهو يسخر منّا ومنه ومن هزائمنا وهزائمه التي لا تُعدّ ولا تُحصى.. ويسخر من موت لن يكفّ عن الترصُّد بأجملنا، فيختطفه بسماجة، ويبقى مُعشِّشاً في الزوايا الباردة لأركاننا المُتعبة.
لكن من خلّف كُتباً وكتابات، مهما بدا ظاهرها ضئيلاً، يبقى حيّاً بيننا. فمن خلالها، وحدها، نبقى قادرين على استخراجه من باطن الأرض واستنطاقه من جديد.
في الأيّام الأخيرة، عُدتُ إلى كتابه الأخير «إليها، بطبيعة الحال». عُدتُ أكثر حزناً من ذلك اليوم الذي كتب لي إهداءه الحميم، وبخطٍ مُتعرِّج لا يخفي تشوُّش الأصابع وارتعاشتها التي تنبئ بأن الموت قادم لا محالة: «إلى توأم الروح والقلم…».
لفتني، أولاً، وأنا أتأمّل الكتاب من الخارج، أن كتب محمّد طمليه تأتي دائماً متواضعة في الشكل، وفي غاية التقشُّف، بغلافٍ فقير أو شبه فقير.. كأنه إعلان أوّلي غير مقصود بانحياز الكلمات إلى البسطاء والفقراء والمهمّشين.. أولئك الذين تستهدفهم الكتابة مرتين: الأولى عندما تكتب عنهم وعن أحلامهم وأوجاعهم، والثانية عندما تكتب لهم. ومِثل هذا الفقر الشكليّ الذي أصرّ عليه، مثّل جزءاً من البلاهة الجميلة التي اعتنقها ذلك الوغد المتحمِّس.
لا أخطئ عندما أصف طمليه بالبلاهة، فكثيراً ما ظنّ، هو نفسه، أن على الكاتب الجيِّد أن يكون أبله: «أنا لا أتحرّج من بلاهتي»، يقول بما يشبه الاعتراف.
ولكن يبدو لي أن الأكثر بلاهة، ناقدٌ يُشغل مهاراته التحليليّة في محاولة لبلوغ جنس كتابي مُحدّد المعالم وصارم الملامح لما يكتبه طمليه. قد تعثُر في مقالته اليوميّة على قصّة قصيرة تائهة، أو ما يُشبه القصّة، سرديّة قصيرة أهدرتها متطلبات صحفيّة لا تكف عن أطماعها المتواصلة اللحوح، كتلك القصّة العبثيّة لذلك الجندي الذي مات برصاصة طائشة أُطلقت احتفالاً بوقف إطلاق النار. لكن طمليه لم يكن ليشعر بحماقة إهدار قصّة، لأن همّه الأساس هو أن يُقدِّم نصّه البرقي، شديد الألق والزّخم، لقارئ متطلِّب لا يرحم، يمتلك حبّاً قاسياً لكاتبه، دون أن يُعنى بأسئلة التجنيس.
محمد طمليه كتابة تستعصي على التصنيف.. كتابة تتمرّد على الكتابة وتكسر قواعدها، فتحقق شرف المغايرة: «أريد أن أكون واضحاً بما يتلاءم مع غموض المرحلة، وغامضاً بما يتلاءم مع وضوح المرحلة».. كتابة تنكأ بَلادة لحظتنا وتغرق في نستولوجيا زمن آخر، حيث «كان لساعة الحائط هيبة ووقار»!
مغايراً ظلّ طمليه وهو يكتب الفجيعة. أمّ تموت وهي تعدّ قلاية البندورة لابنها.. «ماتت وهي على رأس عملها كأم». وهو لا يجد بأساً من أن يقترح على أخيه الحيّ أخذ «تيرموس شاي» ليناوب الليلة في قبر شقيقه الذي مات.. «خذ كتف عن أخيك، فالموت ثقيل. وسأنام أنا في القبر خميس على جمعة». ومغايرٌ هو عندما يكتب عن المرض وجرعة الكيماوي، حيث يتوارى الحزن العميق خلف الضحكة السوداء. وهو مغاير تماماً في كتابة العشق، إذ يتمرّد على كلّ تراث العشق العربي والكوني، فيكون له تعبيره الخاص.. «قلتُ لفتاتي: لكِ نكهة مختلفة كما لو أنكِ مطبوخة بمكعّب ماجي».
ومثلما لا يلتزم بالقواعد في عمليّة الكتابة، فإنه بالمقابل لا يُلزم القارئ بقواعد في القراءة. يمكنك أن تبدأ بكتابه من الصفحة الأخيرة. ويمكنك أن تتقافز بين الصفحات، كما شئت وشاء لك الهوى. ولك أيضاً أن تقفز عن بعض صفحاته. كما يمكنك أن تكتب نقداً للكتاب قبل أن تنتهي من قراءته. إنه الاختلاف المجنون الذي يتيحه طمليه لقارئه وناقده على السواء.
لقد ظلّ على الدوام يتأمّل البسيط بكدح ذهني شاقّ، فيُعطي حبل الغسيل حقّه الكامل في التأمُّل العميق. وقد ظلّ يكتب ببساطة وكيفما اتفق، وبعمق يجترح نفسه من تلك البساطة، متشبثاً بادعائه أنه يريد أن يتأقلم مع الخواء: «ضعوني في صورة ما لا يجري. ما لا يحدث بتاتاً.. أحب أن أكون طرفاً في الخواء والركود».
غير أن محمّد طمليه، في موته، وفي الحضور الطاغي لغيابه، وبما خلّف من نصوص وكلمات، ظلّ مثل حطّاب دؤوب، يواصل كسر خواء وركود ما زالا، رغم كلّ شيء، يهيمنان على أيّامنا.. وعلى الساعات المُرّة التي ما زال يعيشها الأحياء منّا، بعد أن طال رحيله.

* روائي من فلسطين

( الرأي )

شاهد أيضاً

نهر الخمر

*د. ابتهال الخطيب هل يمكن أن تعيش حياة أخلاقية وأنت خائف؟ هو سؤال يلاحق البشرية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *