الرئيسية / مقالات / البحث عن طفولة

البحث عن طفولة


علي أبو الريش *
كل رجل راشد أو امرأة ناضجة، يبحثان عن طفولة ضائعة يسردان الحكاية من وجدان، يغيب خلف هالة من غيوم الزمن الفائت يستأنفان الحوار الداخلي بفضول، وفلول، يفتحان جداول الذاكرة، ينسجان خيوطاً مسترسلة يطلقان عقال الأسئلة، يغوصان في أديم وسديم وقديم، وأليم، وهشيم الحلم، ويغلقان النوافذ ويوصدان الأبواب، يحدقان يحملقان ويحلقان يجوسان يلوبان، يحطان عند مرافئ ومراسي، يغرقان في الوهج الطفولي، يسطوان على تفاصيل وحبات الخرز يحاولان الهروب من كهولة الحاضر، يحاولان نسيان السور المحاصر للمشاعر بمساعر الخوف من القادم.

كل كبير طعن به السن، يستدعي أياماً طفولية جميلة نبيلة، يود أن يتلطف به الزمن ويعتق رقبته، ويخلي سبيله درءاً من عاديات أو موريات أو مغيرات تقض المضجع، أو ترض المرتع، يهيم في فضاءات فسيحة مزهرة بألوان، وأشجان، وألحان، وأفنان مزدهرة بزخارف وطوائف، من نقوش الحياة .. كل كبير يود أن يستقل قطاراً سريعاً يعيده إلى أيامه الأولى يأخذه إلى حيث تستقر الأزهار، والأشجار، والأنهار، والأطوار، والأسرار، والأطبار، والبحار، والأسفار، والأمطار، والأثمار، والأطيار، والإبهار، والنهار، والسوار، والحوار، والبذار، والأوار، والخل الوفي، يريد أن يتحلل من ثبار الشيخوخة ويرتدي مخمل الطفولة متدفئاً بحضن وحضن، وغصن، وفنن، وزمن يصفو ولا يغفو، ولا تصيبه غاشية الكدر والقدر، والنذر، والقتر، والعسر، وتمنيات شيمتها الصغر..

كل كبير يود أن يعيد عقارب الزمن، عند ساعة الميلاد، حيث تكون فيها الصرخة مجلجلة كأنها تغريدة فرخ يخرج من جوف بيضة مطلقاً للعالم نشيده الكوني، مفعماً بالأنا المتوهجة المبتهجة بنعيم البياض الأزلي.

كل كبير يخوض في بث اللواعج، واللواهج متوسلاً أن تأخذه سفينة الحلم إلى أول ميناء يتلقفه بوفاء بلا جفاء، يحتفي بطلته كأنه الطائر القادم من عوالم السرمد، كأنه الأمد يسري في عروق الأيام متسرباً بنبل النجباء، مسربلاً بأحلام تهفو لعوالم منقطعة بصيص النجوم، ورهيف الغيوم، ورفيف القلب الرؤوم. كل كبير يتمنى أن يكون صغيراً، صفياً، عفياً، شفياً، نقياً من شوائب وخرائب، ومصائب، ونواكب، وعواقب تراكمات أثقلت فزلزلت، وحطمت وكظمت، وسادت، وأبادت، وشخبت الروح وأججت الجروح، ونكأت القروح، كل كبير يتمنى أن يرسم خريطة طريق تهدئ من روعه، تعيد ما سرقه الزمن من عمر، ليفتح عينيه على حقول تزدان بالخزامى، وعيون غزلان تحدق في الغد كأنه غابة مترعة بالعشب القشيب وما بثه الوجيب للوجيب، وما أغدق القلوب بالوعد المهيب، وما جاش في الوجدان من تراتيل اليوم الخصيب


* كاتب من الإمارات

شاهد أيضاً

ابناء آبائهم

*خيري منصور قد يستدعي هذا العنوان على الفور أمثولة زياد بن أبيه، لكن ما أعنيه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *