الرئيسية / قراءات / غربة مزدوجة في “كأنني أنا” لعمر خليفة

غربة مزدوجة في “كأنني أنا” لعمر خليفة


موسى إبراهيم أبو رياش *

“كأنني أنا” (دار أزمنة، 2011) هي المجموعة القصصية الأولى لعمر خليفة، الذي ولد في الكويت، ونشأ في الزرقاء، ودرس البكالوريوس والماجستير في اللغة العربية وآدابها في الجامعة الأردنية، ويكمل حالياً دراسة الدكتوراه في جامعة كولومبيا الأميركية.
تتكون المجموعة (159 صفحة) من اثنتي عشرة قصة هي على التوالي: ميترو، قصيدة لم تكتب، كلمات، أصوات، وفاة، جماليات التوسّط، تأخّر، صمت، مقهى، تحشيش، مصعد، كأنني أنا.
عنوان المجموعة “كـأنني أنا”، وهو في الوقت ذاته عنوان القصة الأخيرة، ربما يختصر كثيراً من مسافة التأويل والتحليل، ويوصل إلى القارئ خلاصة مكثفة. فالنقلة كبيرة، فشتان شتان بين الزرقاء ونيويورك. فما بين الغربة والوحدة والبلبلة والتغير تُثار كثير من التساؤلات، هذه التساؤلات التي تولد حالة من الشك وعدم اليقين حتى ليجيب: “كأنني أنا”!
من يقرأ قصص المجموعة يتبين له أنها نوع من اكتشاف الحياة الجديدة في أميركا. وهي في الوقت ذاته نفثات مصدور، وتصوير للضيق بهذه الحياة رغم الحرية التي بلا حدود، والاتساع اللامتناهي للأفق الأميركي.
مدينة نيويورك هي القاسم المشترك للفضاء المكاني لقصص المجموعة، ولا غرابة، كونها المدينة التي يعيش فيها عمر خليفة، ويعرف بعض أسرارها. فنيويورك هي المدينة الأميركية الأكثر تنوعاً وتلوناً واختلافاً وصخباً وإغراءً، وهي خلاصة الحياة الأميركية، والحديث عنها حديث عن غيرها.
نلمس عند عمر خليفة خيبة أمله في مدينة نيويورك رغم أهداءه المجموعة لها “إلى نيويورك… صمتا، ووحدة، واشتهاء” فالواقع المعاش أقل مستوٍ وأدنى درجة من الصورة المتخيلة لها كما يبدو. وهي حالة أقرب إلى الاستيقاظ من حلم جميل، أو الانتزاع من لقاء حميم. وأرى أنها صدمة البدايات، فنيويورك لم تتغير، ولن تبدل ثوبها من أجل عمر، ولكن أحلامه كانت محلقة، ربما بسبب واقع بائس محبط كان ضحية له!
اشتغل خليفة بحرفية على التحليل النفسي للشخصيات، وتصوير مشاعرها ومعاناتها وعذاباتها الداخلية. فالحرية الأميركية في جانبها الآخر لا تعطي قيمة للإنسان بصفته إنساناً يستحق التقدير والتكريم لذاته، بل هي حياة مادية صرفة، فكل مشغول عن غيره، لا يلتفت لوجوده إلا لمصلحة أو منفعة، فقصة “مصعد” على سبيل المثال تصور شخصاً لا يرى أحداً في العمارة الضخمة التي يسكنها رغم اكتظاظها بالسكان، كأنهم أشباح يدخلون ويخرجون دون أن يراهم، فهم لا تربطهم به أية علاقة أو مصلحة فلا فهو غير موجود بالضرورة.
معظم قصص المجموعة تتناول الصراع النفسي الذي يقع فريسته العربي عامة والفلسطيني خاصة في الولايات المتحدة، فالفجوة واسعة بين العالمين، والاختلاف كبير، ومن هنا يحتدم الصراع، وتقع الروح تحت وطأة الاغتراب والوحشة والوحدة رغم صخب الحياة وهناك وضجيجها الذي لا ينتهي. هذه الحالة تنتاب المغترب في بدايات حياته هناك، ولكنها تتلاشى تدريجياً كنوع من التعود والتكيف، إلا من قلة قليلة لا تستطيع أن تتماشى مع هذه الحياة أو تهادنها.
تشكل قصتا “أصوات” و “مصعد” حالة فريدة من المعاناة ناتجة عن الوحدة والوحشة وعدم التكيف مع الحياة الجديدة في نيويورك، ففي “أصوات” يسمع الراوي أصواتاً في وقت محدد لأشخاص لا يراهم، والطريف أنهم لا يمنعونه من النوم. وفي “مصعد” لا أصوات ولا بشر، في حالة شعورية قاتلة تشعرك بالموت وسط دبيب الحياة، وأي موت وأنت لا قيمة لك ولا وجود بين الآخرين؟
وغير بعيد عنهما قصة “صمت” فهي تشريح للعجز الناتج عن صدمة الانتقال من الضد إلى الضد، فأن تفتح لك الحياة أحضانها بعد ضن وقيود، حالة مربكة لا يتخطاها المرء إلا بعد حين. وهي قصة متميزة شكلاً ومضموناً، فالصمت الناتج عن صدمة الانفتاح وعجز اللغة، ولد من خلال 21 مقطعا حواراً صامتاً ً يتصاعد تدريجياً إلى حالة من التباعد والقطيعة. وما أبشع الحياة عندما يهزمنا الصمت، وتعجز ألستنا أن تعبر عن مشاعرنا وعواطفنا!
قصة “كلمات” لا تختلف كثيراً عن قصة “صمت” فهي تتناول عجز الرجل العربي عن التواصل العاطفي مع شريكة حياته العربية، يبخل بالكلمة، لا عن قصد ونذالة، وإنما لجهله ربما، ولطبيعته القاسية، وفي هذه القصة يبدو أن السجن الطويل في سجون الاحتلال، وظروف السجن القاسية، والحبس الانفرادي طبعا شخصية الرجل، فتوارى لسانه، فلا ينطق إلا كلمة هنا وكلمة هناك، تنتظر منه زوجته كلمة يعبر فيها عن حبه، فلا تظفر بشيء، وهي تعلم أنه يحبها وهي تحبه، ولكنها الظروف القاسية، والنشأة الصارمة. ومن السخرية أن كل ذلك يحدث في نيويورك حيث تنطلق الألسنة، وتتكسر القيود، وتهتك الأستار!
للتميز ضريبته. هذا ما تؤكده قصة “ميترو” حيث يرفض الآخرون أن تتميز عنهم، فإما أن تكون مثلهم وإلا جعلوك في أسفل سافلين. واللبيب من يقرأ الإشارات، ويتميز بطريقة تشعر الآخرين بأهميتهم وإلا تكالبوا عليه ودمروه.
تعبر قصة “وفاة” عن القلق الذي يعاني منه المغترب، القلق على الأهل، وأن يتوفى الأب في غيابه، خوفاً من القيل والقال وكلام الناس لأنه سافر بغير رغبة الأب. هذا الشعور مؤذ جداً، ومعذب ومعطل، تحت وطأة تعذيب الضمير.
في قصة “جماليات التوسط” نجد حالة اللاحسم، والعجز، والتبرير، والتأرجح، ومحاوبة اقناع النفس بجمال أن يكون الإنسان متوسطاً في كل شيء. وهو خداع للنفس بل وظلم لها. فالتوسط انحياز في حقيقة الأمر، وغالباً ما يكون انحيازاً للأسوأ. والتوسط خيار الضعفاء دائماً. ويسخر الكاتب من “التوسط” إذ يصفه بالجمال، فأي جمال في الضعف المعيب!
فلسطين لا تنسى، ومن يستطيع. في قصة “تأخر” لم تستطع العجوز رغم مرور 40 عاماً على تواجدها في نيويورك أن تتكيف مع الحياة فيها، وبقيت تحمل جرحاً غائراً باستشهاد أختها برصاصة غادرة وجرحاً فلسطينياً يتسع منذ هزيمة 1967. ويبدو أن هذا قدر الفلسطيني أن يحمل جرحه على ظهره أنى ذهب!
يؤخذ على قصص المجموعة طولها. حيث إن معظمها تجاوز عشر صفحات، ووصل بعضها إلى 16 صفحة، ولم تفلت إلا قصة “تحشيش” ذات الخمس صفحات. وبغض النظر عن جودة القص واللغة الجميلة، وحاجة الكاتب لمساحة مناسبة من البوح، إلا إن ذلك يجب أن لا ينسينا أن القارئ يتعامل مع قصص قصيرة، وليس رواية، فهو يأمل أن يجد قصصاً قصيرة حقيقة، فنحن في عصر السرعة، ومن السهل أن يملَّ القارئ، ولا يكمل القراءة إذا وجد أن النهاية ما زالت بعيدة، وتحتاج منه وقتاً وجهداً.
عمر خليفة قاص ولد ناضجاً يمتلك كل أدوات ومقومات النجاح والتألق والإبداع، قادر أن يتغلغل في أغوار النفس البشرية، ويصورها بريشة فنية مدهشة، ولغة شاعرية رائقة. وهو قاص ينتظر منه المزيد، وهو قادر على ذلك إن أراد!


* ناقد من الأردن



 

شاهد أيضاً

وول سوينكا كاتباً مسرحياً في «الأسد والجوهرة»

*هند عبد الحليم محفوظ تقع أحداث مسرحية وول سوينكا «الأسد والجوهرة» (المركز القومي المصري للترجمة/ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *