الرئيسية / قراءات / رواية ” صابون تازة’: سيكولوجيا الجنون

رواية ” صابون تازة’: سيكولوجيا الجنون


مروة متولي

 ‘سيكولوجيا الجنون في الثقافة العربية الإسلامية وما يحيط به من طقوس’ يأتي هذا العنوان في نهاية رواية ‘صابون تازة’ للكاتب إبراهيم الحجري كضوء كاشف وراحة كبرى تزيح كابوس القارئ في نفس اللحظة التي يفيق فيها الراوي من كابوسه العظيم، فيبتسم القارئ ابتسامة تصاحب ابتسامة الراوي حين يكتشف أنه لا يزال يحتفظ بعقله وأن الجنون لا يزال مجرد موضوع لمحاضرته التي سيلقيها على طلابه في الجامعة، ذلك الارتياح من شقاء الانغماس في الأجواء الرهيبة للرواية تعقبه أسئلة تلح على ذهن القارئ، هل قرأ بحثاً سيكولوجياً/سوسيولوجياً داخل رواية؟ وهل يمكن اختزال الرواية إلى سياقها البحثي؟ أو إلى فكرة واحدة هي فكرة الجنون؟ .. أما الجواب فهو أن للرواية أبعادا أخرى متعددة على الرغم من الحيز الواسع الذي يشغله الجنون في فصولها، وأن الكاتب لم ينس في أي لحظة من اللحظات أنه يكتب رواية، وأن هدفه الذي كان يضعه نصب عينيه هو ارتياد مجاهل جديدة في الجمالية وفي الرؤية على حد سواء.
لا تخفي رواية صابون تازة انتماءها المغربي، فقد أراد الحجري أن يكتب رواية مغربية مختلفة مضموناً وأسلوباً، فبدءاً من العنوان – الذي هو مستوحى من تعبير مغربي استخدمه الكاتب في روايته كدلالة على استحالة التطهر لأن ما لا ينفع معه صابون تازة لا أمل فيه البتة – يغمسنا الكاتب في أجواء بلاده، حيث تتعاطى الرواية مباشرة مع الواقع وتسير على سطح صفيحه الساخن، فتجسد مأساة المناطق الفلاحية النائية حيث لا نصيب للمرء هناك من تعليم أو ثروة أو حتى دين صحيح يعصمه من آثار جهله وفقره، فرواية ‘صابون تازة’ هي ساحة يعترك فيها القهر والفقر والجهل والمرض والدين المغلوط المشوه واهتزاز منظومة القيم والثقافة الضائعة وما يمكن أن يخلفه كل ذلك في نفوس بشر لن يعودوا بشرا.
أراد الكاتب لروايته أن تكون رواية تؤرخ للظلم في بلده، أن تسجل في الذاكرة ما لا يجب نسيانه أبداً حتى وإن انتهى يوماً، بدءاً من ظلم المستعمر القديم وصولاً إلى كافة أنواع الظلم اليومي بأشكاله وألوانه ونكهاته المتعددة، هكذا يظل يحرضنا على أن نتذكر مأساة الآباء من حيث القتل والنهب والجوع والتخلف والأوبئة القاتلة وظلم الخائن والمستعمر والهروب والفرار من المنبت نحو المجهول والعيش بالقهر وألم الذكرى ووجع الحنين حتى الموت، ويحرضنا أيضاً على الالتفات لمأساة الأبناء من تعطيل متعمد لقدراتهم ولحياتهم وسحق لكرامتهم، ‘غير أن السيناريوهات التي حدثت لنا كادت تنسينا أننا- معشر المعطلين- ننتمي إلى فصيلة البشر، وأن الطريقة التي تعامل بها معنا المسؤولون شككتنا في كونهم من طينة من يملك الرحمة! فقد حشرونا في ركن مسدود حتى لا نختلط بعامة الناس، ولما لم تنفع معنا المناورة، وعرف محاورونا المتعددون أننا لا نروم غير الشغل، هاجمونا في البداية بصنابير الماء كي يسكتوا أصواتنا التي تلوث المدينة على حد قولهم وتفسد عليهم اجتماعاتهم، وفي الأخير لما لم ننخرط في سحرهم ركلونا مثل البغال والحمير وأشبعونا سياطاً وهراوات ورضوضاً وجروحاً وقتلى كجزاء على اجتهادنا في التحصيل والكفاح طيلة أرداح من الدهر، وها فضل من يفني زهرة عمره! كم أحتاج إلى أن أبكي وحيداً على ضفة أي نهر قاس، آه خصوصاً لما أتذكر آثار الضرب على الظهر والفخذين ومستويات كبرى من الوجه والرأس’ ومسخ متعمد أيضاً لكل معنى شريف ولكل قيمة ولكل منطق، ‘وبعد أن يسر الله على ‘ربيعة’ ونجحت مشاريعها الكبرى حجت سبع حجات، ونالت احترام أهل الدرب وأهل الحزب، وبإيعاز من الناس الذين يأكلون من تحت يديها وتعتبر ولية نعمتهم، تقدمت للانتخابات، وعقب حملة انتخابية حرقت فيها عشرات الملايين فازت ربيعة بامتياز بمقعد برلماني ونظراً لعبقريته/عبقريتها سترشح فيما بعد لحقيبة وزارية وسيلتف حوله الناس الذين رشقوه/ها بسهام سبهم وشتمهم وسيصبح اسمه سي الحاج عادل مول الدار الكبيرة، وهكذا يتأتى له/ها أن يدخل المجد من بابه الواسع. هذه المرة تتفتق العبقرية من المؤخرة وليس من العقل أو الفكر. سبحان مبدل الأحوال’، هو قتل من نوع آخر ونهب علني عام، هو تطور زمني للمأساة لا أكثر.
لذا نجد أن الواقعية العميقة قد طغت على كثير من فصول الرواية، وفرض التأمل المعمق في المأساة على الكاتب نقده اللا متساهل ووصفه القاسي للواقع والصائب في قسوته، وعلى الرغم من ذلك فلم تسيطر الواقعية على الرواية كلية، حيث يمتزج فيها بفنية متقنة كل من الحلم والأسطورة بالواقع والسخرية السياسية، كما نجد أن الكاتب يمارس حريته كيفما يشاء في السرد والشكل واللغة، فنرى تعدد الرواة وهناك أيضاً ‘راوي الرواة’ ونرى تدخل الراوي ومخاطبته للقراء ‘لا تقلقوا: لم أنس البرنامج السردي الأساسي، ولم أنس ‘كطرينة’، سأعود إليها بشغف مثل الذي حمله والدي معه إلى العالم الآخر’.
استخدم الحجري الدارجة المغربية في روايته بشجاعة من يمتلك لغته العربية جيداً ولا يفقد تحكمه فيها، فلا يخشى اتهاماً بفقر في بلاغتها أو فصاحتها، وهو لم يتخذها لغة لكتابة الرواية، ولم يقصد من استخدامها إهانة اللغة العربية كما يفعل الكثير من المعاصرين الآن، ولم يشعر القارئ بأن استخدامه للدارجة ينم عن فوضى وجهالة، بل كان متعمداً أن تكون لغة الرواية قلقة متغيرة، لذا تطالعنا الدارجة المغربية في بدايات الرواية، حيث حكاية الأب عن القرية ‘الأسطورة’، تلك الحكاية التي نفت السكينة عن قلب الراوي، وأشعلت بين جوانحه نار الرغبة في المعرفة ونار الحنين إلى الأصل البعيد ‘وكنت أنا آنذاك لا أفهم معنى الحنين’، الأب السارد لقصة مثل الخرافة عن قرية أسطورية تلك القرية تم تدميرها حتى لم تعد سوى أنقاض، هي البلدة الأم التي يعيشها الأب كذكرى أليمة ويعيشها الابن كوهم كابوسي، ‘زهقت روحه وحكايته تؤرقه بالقدر الذي تحفز في رغبة الكشف والاستطلاع والرحيل صوب الأرض التي عشقها ومات وهو يحن إليها بجنون، مات الوالد الشيخ وفي نفسه شيء من قطرينة وضع الصخرة من على ظهره وحملني إياها وأنا مازلت صغيراً طرياً كعود الزيزفون’.
كان ممتعاً أن يضع تلك الحكاية بالدارجة، فلا تطيب كلمات الأب سوى بلهجته ‘أنا حلفت باش ما نرجع لهاذيك البلاد وخا عزيزة علي، ولكن كتفكرني في القهرة والخلعة والموت والظلم وبزاف ديال المحاين… الله يرحم لي دفنوا بالقهرة’ وربما كانت أشد أثراً في النفس من النص الموازي ‘قررت أن لا أعود في هذا العمر لأموت حنقاً بالذكريات السود، ذكرى الأرض والرجال الذين ماتوا قهراً’ الذي كتبه الحجري هامشاً بالعربية الفصيحة نظراً لصعوبة اللهجة المغربية قليلا واختلاف مفرداتها، ويوضح الحجري أنه ‘في الأصل النص كتب بالعربية قبل أن يترجم من طرف المؤلف إلى اللغة العامية المغربية’.
أما عن الجنون فقد ضمت رواية ‘صابون تازة’ من ألوانه وصنوفه الكثير، تناول الكاتب العديد من الشخوص منطلقاً من نظرة وفكرة ورأي أعلن عنه ابتداء، ‘ليس من السهل أن تعيش في بلد تحس بأن حقك فيه مهدور، وأنك لا تزن فيه قدر برغوثة، وأن أهله يكنون لك الكره، وأن الحظ يناصبك فيه العداء، كل العداء! تماماً هذا ما كان يحتدم بداخل أعماقي من أفكار وهلاوس، وفكرت مع نفسي وقلت: إن كثيراً من هؤلاء المجانين الذين يرمونهم في مزابل المارستانات ومحجات الحمقى، قد يكونون من أنجب أبناء هذا الوطن، ومن أحسن خدامه. إلا أن هناك من لا يريد أن يخدم الوطن ويظل على حاله مثل دار لقمان، لذلك تكثر خلوات الصلحاء التي تحولت من أمكنة مقدسة للعبادة إلى أماكن لرمي القمامات البشرية، يحبس فيها من أزهقت عقولهم كرهاً وقسراً’، ومن خلال حكايات الشخوص المختلفة نعيش رحلة الراوي نفسه نحو الجنون إلى أن نفيق من وهم التجربة كحقيقة لكننا لا نفيق مما ألقته في العقل والروح، ‘عشت تجربة الخبل عبر الوهم. تخيلت نفسي مهبولاً وصرت رحالة أجوب أرض الوطن راجلاً بحثاً عن ملاذ وهمي، عاشرت المجانين واستمتعت بعوالمهم الغريبة، وبحثت عنهم في كل الأضرحة والمزارات، هل كنت فعلاً أحمق، لا أدري! المهم أن هذه الفترة منحتني تجربة قوية على الصمود في وجه الرياح العاتية، تجربة كانت متنفساً حقيقياً لمعاناتي الداخلية طيلة سنين. تجربة متوهمة جعلتني أتحاشى جنوناً حقيقياً وشيكاً، بعد هذه التجربة عدت قوياً بعد أن تخلصت من هشاشتي، لأواجه العالم المقيت’.
يلمس الحجري في روايته المخاوف الإنسانية لدى القارئ نحو الجنون أو نحو أي مصير مؤلم وهو إذ يصطحب القارئ وسط كل هذا الجنون لينجو فينجو معه القارئ، فتجربة الراوي تكون أشبه بتجربة موازية للقارئ تمنحه شعوراً ـ موازياً- أيضاً بالنجاة

 

– القدس العربي

شاهد أيضاً

الأميركي بن ليرنير يفتح السرد على كل إمكاناته

*أنطوان جوكي منذ روايته الأولى «مغادرة محطة أتوشا» (2011)، فرض الأميركي بن ليرنير نفسه كواحد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *