الرئيسية / قراءات / في رواية خليل النعيمي الأخيرة: قلق الجنس الأدبي، بين الكاتب وآخَره

في رواية خليل النعيمي الأخيرة: قلق الجنس الأدبي، بين الكاتب وآخَره


أحمد المديني

 ـ بات معهودا الحديث في النظرية العامة للسرد، عن تعدد الجنس الروائي، وتفرعه في أنواع صغرى ودنيا، ونُويْعات، تتمايز فيها الطرائق والخصائص، وتُفرز التيمات، وإن كانت أحيانا تستخدم أدوات متشابهة، متقاربة، وتشتغل بالمواد الاجتماعية والإنسانية الواحدة.
وفي ما يخص سرد الذات بصفة خاصة، نَحَتْ هذه النظرية (طبعا، هي نظريات، بكثرة الاختراقات الحاصلة في المادة السردية) وتحديدا منذ انطلاق التحليل النقدي البنيوي والتفكيكي في نهاية ستينات القرن الماضي، إلى توليد واستنبات قوالب وهياكل من كمّ النصوص (الروائية) المتزايدة في فترة اتسمت في العالم الغربي بالتمرد على المؤسسات ورفض القيم والنماذج السائدة، نظير ما حصل مع انتفاضة ايار/مايو 1968 في فرنسا، باقتران مع توسع مجال البحث عن الذات وتيسير سُبُل تفتحها وتحقيق تحررها، مما يندرج أصلا في نهج طويل في تاريخ الغرب السياسي والفكري والإبداعي، ويجد في كل مرة التعبير الأقوى والأنسب لتجليه.
2 ـ وما تعبير الذات بجديد على الآداب الغربية، ولا تصنيفه طارئ أو حديث عهد، كما هو الشأن في ما يخوض فيه بارتباك الدرس النقدي العربي، بل نجده ممتدا في مراحل تأسيس مبكرة سابقة جدا في نص يوناني مؤسس هو’قصة حقيقية’ لواضعها لوسيان دوساموزات، ثم عند القديس أغسطين، وثالثا في ‘اعترافات’ روسو، وتمتد السبحة في عديد أمثلة، إلى أن يصبح الفرد هو الأنا المركزية في الثقافة الغربية عبر مراحل التكوين والتغيير منشئة عصر الأنوار والأزمنة الحديثة عامة. بمعنى آخر، فالنظريات الأدبية، والأجناسية، وقبلها النصوص الأدبية الخلاقة، ظهرت ونمت وتجددت وتنوعت في مناخ التحول العام للبيئة الحضارية والتمدينية، متأثرة ومتفاعلة بهذا الشكل أو ذاك. وهو ما يجعلنا، نحن الذين نشتغل في مضمار القراءة والتأويل النقديين، فضلا عن ورطتنا، مدعوين إلى التنسيب لدى استخدام المصطلحات في البحث السرداني ومسارات تطبيقه، والانتباه إلى ‘أسباب نزول’ النص العربي السردي غير الخاضع بالضرورة، ولا المتخلق وفق مقتضيات غيره، حتى وهو يسعى، عبثا، أحيانا، لأن يتماهى معه، انشغالا وقولبة وتقميشات فنية. وبقدر ما نحن مدعوون إلى قراءة النص بالأدوات المجهرية التشريحية لفنه، بقدر ما يستدعي لدينا سياقه ومرجعياته، وعندئذ، وحسب غناه أو قيمته، سينشّط فاعلية التلقي على نحو تدفع لتحكيك ما يبدو كأنه ظاهر معطى، بداهة.
3ـ الحقيقة أن الأسئلة والتساؤل باستمرار عن طبيعة الجنس الأدبي، وما يعتريه من تحول وتنوع، يوصف تارة بالتجديد، وتارة أخرى بالتحديث، ناهيك عن نعوت الإطراء والزُّلفى، إنما يعني النصوص التي تثير تشوّشَ نظام كتابتها، وطريقة تلقيها، فيما هي تسعى للانتظام فيهما معا، والوفاء لـ’بروتوكولاتها’، فكيف في ما يتصل بنصوص تنتمي إلى أنواع هي في سيرورة التخصيص، ومثار جدل نقدي، ومنها بالذات ما يُكتب في حقل الحميمي ومداراته (الحميمي هو كل شأن قريب، عائلي، خصوصي) بين غربيٍّ مؤسس ومتطور جدا، ومتنوع وعربي متعدد، وهذا الأخير قيد الدراسة، وتظهر فيه جهود تعريفية وتحليلية لا بأس بها(انظر مثلا:ممدوح فراج النابي، رواية السيرة الذاتية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2011) تبرز الطابع السير ذاتي الذي تنزع إليه الكتابة الروائية العربية أكثر فأكثر، مع محاولة تشخيصها، وإن افتقرت إلى رصد المنابع التي تنحدر منها هذه الكتابة النوعية، وتبعا له النسق الناظمُ لها في إطار حركة إبداعية وثقافية شاملة. نسقٌ يصعب في الحقيقة ضبطه، بله حصره، إما لاضطراب مناهج ومفاهيم المقاربة، وإما لتهافت النصوص، أو ارتباكها في منظورات التعبير عن الذات وطرائق هذا التعبير، مما يجعلها في أحيان شتى متمفصلة بين الأدبي و(اللاـ أدبي) ، القول الفني والخطابات العليا التجريدية أو الموضوعية. وهذا لا يسهل لا قراءتها، فكيف بمقاربتها، خاصة على النحو الأدبي، إذا كان المراد كذلك.
4 ـ هي تساؤلات واحترازات وبعض استرجاع، حسب ما يسمح به الحيز، تقودنا للحديث عن نص آخر، أخير، للكاتب السوري خليل النعيمي، هو مصدرها، وكلما قدم جديدا أو ما في حُكمه استوجب منا وقفة للقراءة والمراجعة في ضوء العمل وإحالاته، والأهم منبع إنتاج صاحبه الأصل، هي عينها التي استهللنا بها هذه الورقة، نراها ذات ارتباط قوي بمنحى كتابته وسعيه. ونحن نحسب أن الدارس في أدبنا العربي الحديث لجنس السرد التخييلي، في مكونه السير ذاتي، بعديد ما التحق به وأُُسنِد إليه من تسميات نوعية فرعية، لا بد أن يضع نتاج هذا الكاتب في صُلب متنه الدراسي، لا غنى عنه لأسباب، واحدٌ يغني عن كل ما عداه: نعني اختصاصه شبه الكلي بالنوع السير ذاتي، جملة وتفصيلا، فهو متنه ومذهبه ومساره، إضافة إلى النص الرحلي ككتابة فرعية أو موازية، من قبيل الهواية، وفي الآن تغذي الأول.
5 ـ لا فائدة من مساجلة مع الكاتب حول التجنيس الروائي الذي تحمله أغلفة كتبه، فهي مسألة اتفاقية (أضحت اليوم خارج ـ أدبية)، وعندنا عرضية، قياسا بالتحديد النوعي الذي تسفر عنه الكتابة، والنسق النهائي الذي تنتهي إليه، يُعيّنها شكلا ومضمونا، كما لا مساجلة مع أي كاتب حول نواياه، وبما يرسمه لها من أداء، ويتوقعه من نتيجة، فنحن من هذه الناحية مع الشكلانيين، يهمنا النص أولا وأخيرا. حسبنا في هذا المقام الاستشهاد بروائي كبير(أ. ر، غرييي) عندما قال بصدد سيرته الذاتية (Le miroir qui revient ) في علاقتها بأعماله الروائية: ‘لم أتحدث أبدا عن شيء آخر، سوى عن نفسي’، وكذلك خليل النعيمي، أو فلتكذبنا أعماله المتسلسلة بانتظام منذ الثمانينات’الرجل الذي يأكل نفسه’؛ ‘تفريغ الكائن’ وانتهاء بالعمل الأخير الذي هو مناسبة مقالتنا هاته:’ لو وضعتم الشمس بين يدي’ (المؤسسة العربية، بيروت 2012).
6 ـ هنا حلقة أخرى في سلسلة كتابة المسيرة الحياتية بمحطات مختلفة، والتجربة الشخصية التي عاشها الكاتب وعاناها بأشكال، وعبر محطات وفي بؤر متعددة: الطفولة في مرابع الصبا (الصحراوية البدوية)، والشباب في بيئة الدراسة (الشامية) والخدمة العسكرية الإلزامية وتوابعها، ثم الامتدادات، مع التنويع في كل مرة على لوازم بعينها، هي ثوابت مختارة لا يحيد عنها، هي بمثابة استرجاعات حنينية، في قلبها ذكريات الطفولة ومعالم معيشها البعيد قد نقشت أوشاما لا تزول، وهي الملاذ ل’كائن’ تقاذفته الحياة، واجتثه الزمن السياسي والثقافي منها، تركاه عرضة لنزف نسج الذات، طورا على نوْل الواقع الصلد، وكثيرا على إيقاع شجن غنائي، ليست الرواية مجاله ولا جنسه، فيما صاحبُها يمعن في دوزنة اللحن بتنويعه في كل مرة (نص)، ليقول تلك الأنا الروبغرية نعرف وصفيتها الحادة ونزعتها الفلوبرية، لكن على الطريقة (النعيمية).الطريقة التي قلنا إنها تخلق عندنا تشوشا في التلقي، نتيجة ارتباك، لنقل تجاوزا خلخلة في نظام سردي بعينه، وعلينا أن نعاين ونفحص ونفكك ونركب ما أمكن.
7 ـ يأتي الدور هذه المرة على المرحلة الباريسية في التجربة الحياتية، حيث عاش خليل النعيمي ويواصل منذ ثلاثة عقود ونيف. ففي ‘لو وضعوا الشمس..’ رصد لمناطق محددة من باريس يعيش فيها بطل النعيمي (وهو دائما بطل واحد، ثابت، ونسبي النمو بين دفتي الكتاب محكيه) مركزها حديقة اللوكسمبورغ حيث يتنقل هذا البطل، وهنا يلتقي زوجه، مثناه، أو كائنه الآخر، وكائنات ثانوية أيضا، وهنا سيجري حواراته المادية، والافتراضية والداخلية، معها، تنقل مفردة ومجتمعة، مشذّرة ومنسقة تجربة مقاطع من سيرة حياة، وتجربة إنسان، وفلسفة حياة كائن. هذا قسم من جغرافية الحاضر الحديث (شكل الرواية)، فيما يرسم القسم الثاني جغرافية ملامح متشظية من الصبا، في أرض الجذور والتكوين الأولى، هي الماضي (شكل الحكاية)، وهو في آن مُرَهّن ومتداخل، جَماع ماضٍ وحاضر، وتراوحٌ بينهما، تتنضّدُ فيه المحكيات الشخصية، والموازية، والعابرة، بين الفضاء الباريسي والفضاء الصحراوي البدوي، الأصلي من حيث قدم البطل الكاتب ليعيش حياة مغايرة في باريس، ولا يتغير.
8 ـ سيكون من العجلة اعتبار هذه (الرواية) مخصوصة بتجربة محددة يسردها الكاتب في وعن هذه المدينة العظيمة ومثيلاتها، شأن نصوص علامات صنعها أسلافٌ كبار (حقي، سهيل إدريس، الطيب صالح وبهاء طاهر، مثلا). باريس النعيمي حتى وهي تتحدد، هنا وهناك، بأسماء أحياء وشوارع وعناوين، مفرغة من أحشائها، مفرغة من دمها، قد أجلي عنها سكانها، لكي لا يبقى فيها سوى أشباح ومخلوقات طللية، أنقاض بشر، خسارات ما آل إليه تاريخ وعمران. هكذا أراد النعيمي باريسه، منسجمة مع (أطروحة) هي شاغله في هذا السرد لا غيره، وإن اعتراه وتقاطع معها، تقاطعَ سياقات الماضي الذي يحوّل الحاضر إلى مجرد مزيد انجرافات لتربته وزمنه. لو كان ابتغى غيرَ صورة وروح المكان، وفلسفةً إما تسقط عليه أو تستقى منه، لكان جعل من شخصيات التاجر السوري، والطالب الإفريقي، والمرأة الفرنسية المتداعية، مسارات سردية متواصلة التدفق في نهر روائي خصب، تعيش مصائرها، وتتضارب في بؤرة مصير بطل أو فاعل يوازيها أو يتناقض، ما همّ، لنكون في قلب فعل مدينة ببشر، واختبارها لهم، وتشكيلها لحياتهم على مقاس معيش مادي، وسيكولوجية اغتراب،
وصراع ومعاناة هؤلاء، بين هذا الوضع ومساراتهم الشخصية. أقول، لو كان فعل شيئا من هذا المخطط السردي ـ وما شأني أن أملي على أحد خطته، اللهم ما ينسجم مع خطة قراءة ـ
أي لو وضع الرواية في يده لارتضيناها بدون وساوس، ولكن كيف بمن يرفض الشمس؟!
وكذلك يمكن القول عن الشخصيات والمحكيات المتناثرة كشظايا ذاكرة من تاريخ بعيد، يستحثه، يستنجد به وعليه يتباكى تاريخ قريب متخم بالخسارة، حصيلة أسئلة لا تقود إلى جواب. هي بدورها لم تحض بالسبك في خيط ناظم وبوتيرة فنية تصنع شكلها، وتعطى لها معنى بذاته، بقدر ما يسمح به بُعدها وشتات زمانها، خاصة وهو جذوةُ الكتابة ولفحُها، وكم.
9 ـ يريد خليل النعيمي شيئا آخر، سواءً أدركه، أو بقي مزروعا في أرض الكتابة كالنوايا الطيبة. يريد ما ينسجم ويتآلف مع استراتيجية كتابة لا يحيد عنها، وإلا فهو هالك، أي أن يكون بطل روايته وساردها ومادتها وسردها، طحينها وعاجنه، وما حوله وخلالها إما تفريعات عنه، كتنويعات عزف على لحن أصلي، لا مدعاة للسؤال هنا عن شروط وصحة الميثاق (الأوتوبيوغرافي) إذ ما يعتريه من مناورات لا يمس جوهره، حيث الذات تتخذ ما تشاء من الضمائر، وهي خطابها. والخطاب في العمل الأخير كل شيء، نظرا لتصدُّره الأولوية قياسا بالمحفل السردي، أو العناصر الوصفية وأشكال التلفظ، المحافظة على مركزية الأنا. علينا بالأحرى أن نتحدث عن الخطاب المضاعف، الذي يُثنِّي هذه المركزية ويحفر في غورها، بعد أن خبِرها واختبرها في نصوص سابقة، والقصد أن يحقق نوعا ما في هويتها فكرةً وكيانا، بعد أن تحقق له تصعيدُها، تحويلُها بنقلها إلى واجهة ‘التخييل الذاتي’بوصفها تعبيرا سيرـ ذاتيا فرعيا عن الجنس الأصل (يتعذر في هذه الورقة عرض مكوناتها، مما يمكن الوقوف عليه في مضانه؛ إجمالا التقنيات الأدبية لصناعة الحميمي). وقد أصبح متواترا في الرواية التحديثية استخدام المؤلف للميتا خطاب، حيث تسائل الرواية نوعها، وطريقة عملها، ومآلها، الخ..ثم ما يلبث أن يستأنف خطه السردي السالف، وهي بالطبع هجنة واضحة، ضرب من التفكير المملى من الكاتب، لا المنبثق من مادة سرده.
10 ـ في عمله الأخير ينتقل النعيمي من الاستعراض الحسي والمشهدي ليحفر في الطبقة السفلى، الخلفية لذاته وكيانه. يفعل هذا مصطنعا طريقة تمثيلية تنسجم مع صناعة روائية تفترض وجود شخصيات وفضاء وحبكة. هكذا، لا يكتفي بطرح نفسه في موضع أسئلة تنهشه بإلحاح في مونولوغ داخلي متقطع، يعمد إلى اختلاق شخصية نقيض يلاقيها في مكان وموعد منظمين، ويجري بينهما حوار حول موضوع هو الكاتب نفسه، أو شخصيته في العمل (الكائن). فهو ما ينفك يتساءل على امتداد قصته عشرات الأسئلة عن قضايا من كل نوع، وعن مطلقات، وفي تهويمات بلا حدود، وهو يتأرجح بين مكانين (مسقط الرأس وباريس، 64) أو كما يقول له نقيضه:’أنت لا زلت تغرق في ما كنته من قبل. عليك الآن أن تهتم بمن ستكون، 87)، انتقال يتم، جدلا طبعا لا فعلا روائيا، بطرح مباشر وحصرم لمسائل نظرية ووجودية بحت، من غير عمق فلسفي رغم رطانتها الفلسفية الظاهرية، تدور في رأس (الكائن) سيتواتر ذكره، من تعريفاته أنه:’مؤلَّف من عشرات العقول والعواطف..112) يتعامل مع ‘اللامرئيات’، ومنها المجردات، وتطفو على لسانه المقولات الكبرى: الحرية، الوجود، التاريخ، الزمن، الحياة، الموت، والمهم هو:'[أن] أتساءل بإلحاح. أتساءل كثيرا. ولا جواب لدي. وأبتئس.'(199). وفي نهاية التساؤلات الملحاح للكائن، والكتاب يشرف على النهاية يقدم لنا شرعة ووصفة النوع، معتبرا أن الكتابة، في حال العجز عن تجاوز الانهيارات (كذا)هي: ‘علم يبحث في واقع الكائن وتحولاته’ ضرورية وشديدة الإخلاص للمصير’ (240)، وبالمقابل، فالعمل قيد الدرس يتحول بهذا المعنى، الطرح، إلى علم، بحث، مطارحة، جدل أو جدال، أو ما يسميه الكاتب بكلمة طريفة ‘التماعات'(274) أو شيء من هذا القبيل، وكيفما شئنا، ما يستدعي مرة أخرى سؤال النوع، إن أراد المتلقي البقاء في دائرة التلقي السردي، وإلا سينتقل إلى سجل قولي آخر، ببروتوكولات قراءة مختلفة. هذا ما يحاول النعيمي تفاديه، بِسَنِّه عملية المراوحة بين التذكر والتأمل والتحليل، ورسم مشاهد وترتيب أخبار، واستدراج شخصيات قرينة، ولصيقة دائما بحياته، إذ أناه ، وأناه الأخرى، هي المركز.
وهذه الأنا الثانية، هي آخر الكاتب، التي سعى لأن يكرس لها هذا العمل تكريسا شبه تام، عليه بوسعنا أن نسمي هذه المرحلة من كتابة التخييل الذاتي لدى النعيمي ببُعد أو مُكون ‘الآخرية’.
هل يكفي هذا للحسم في جدل النوع، واكتشاف ضوء، التماع، في نفق التشوش الذي يفرضه علينا نص ‘لو وضعتم الشمس..’، أم أن التصنيف الشكلي وحده سيتركنا نراوح في المجال ذاته الذي لم تبرحه الدراسات البويطيقية للسيرة الذاتية، بين الأصل والفرع والتنويعات؟
11ـ بوسعنا الالتفاف على السؤال، باستدعاء مثال يسمح ببعض المقارنة، وإن أبقى الفارق، نراه في النص الإشكالي للكاتب والمفكر المغربي عبد الله العروي، المعنون: ‘أوراق ـ سيرة إدريس الذهنية’ (المركز الثقافي العربي، 1989، الدار البيضاء). هذا العمل تتمة مفترضة لسابق عليه، تشغل فيه شخصية إدريس البطولة، وهي قناع للكاتب نفسه، وصوته في روايتي ‘الغربة’ (1971) و’اليتيم'(1978). وعندنا أن ‘أوراق’ ليست رواية في شيء رغم أن النقد الروائي صنّفها في هذه الخانة، وهي كذلك بحكم أن كاتبها وضعها على نسق وفي سياق سرديين. غير أنه، وبالحزم والدقة المعروفين عنه، ذيّل نصه بتجنيس إضافي’سيرة ذهنية’.
وهي إضافة في محلها تماما، إذ تنسجم مع المكتوب وتسوّغه، ولا تصدم بقوة أفق انتظار القارئ، القارئ الذي يحب من الرواية روائيتها بعالمها ومكوناتها وتركيبها، والعروي على دراية جيدة وجدية بها، كما نظر لها بقوة عربيا في ‘الإيديولوجية العربية المعاصرة’. إنه نزيه في هذه الإضافة، إذ تتضمن’أوراق’ فعلا سيرة ثقافية للكاتب في مراحل من تكوينه، ومحاورات مع مفكرين وأدباء وأعلام قرأ لهم أو تعرف عليهم، إضافة إلى جملة آراء وتصورات عن مسائل أدبية ومفاهيم وقضايا فكرية، مرتبطة أحيانا بوقائع معينة، وفي أزمنة محددة. وهي سيرة غنية، شمولية، عربية وغربية، تشهد على سعة اطلاع مؤلفها وموسوعيته.
يمكن القول، أيضا، بأن هذا العمل يندرج في خط تقليد في الأدب العربي، بدءا من ‘حي بن يقظان’ لابن طفيل، و’التوابع والزوابع’ لابن شهيد، و’أنا’ للعقاد، مثالا لا حصرا، أي ليس منقطع الجذور البتة.( يمكن التوسع في هذه القضية وفي تجنيس العروي بالرجوع إلى البحث القيم للدارس المغربي محمد الداهي:’ شعرية السيرة الذهنية’ (فضاءات مستقبلية، الدار البيضاء، 2000).
12ـ يمكن اعتبار عمل النعيمي منتسبا إلى هذا التقليد، من باب التعميم، لا غرو. وفي آن، منفصلا عنه، لسبب جوهري، وهنا يظهر الفارق، وهو بنيوي، مهيكل للكتابة ومُوجه أساسا لمادتها ومحتواها. فالسيرة الذهنية ناجمة عن الذهن، العقل وما يتولد عنه من فكر. هي مسار الشخص في دنيا الثقافة مصادر وعلامات ومفاهيم وإسهام شخصي، أيضا. إنها تصدر عن عقل الكاتب الذي يريد أن يعرّف بنفسه في هذا المجال، وينير الطريق لغيره بتأريخ معارفه. أي أنها تقع خارج الذات، حتى وهي صادرة عن أنا، قُلْ هي أنا تُعقلن، ولا تملك أن تبوح، ولا ذا غايتها، لأن البوح ومقتضياته الأخرى من شأن السيرة الذاتية حسب ميثاقها ونماذجها المثلى معلومة. في حين أن ‘لو وضعتم الشمس’ وهي تتساءل بين بطلها وآخره، محاوره ‘رجل الحديقة’ في المجردات والمقولات الكبرى، إنما بدون أن ترسم لنا مسارا ثقافيا، ذهنيا، لمؤلفها، من نحو، ولتشبثها بالانتساب في الوقت إلى محراب البوح وقول الذات على نحو ما، خلافا للسيرة الذهنية الصرف. ولو شئنا، لقلنا إن الشاغل الأكبر لنص النعيمي هو كيفية صوغ موضوع، وكيفية بناء الذات، بوصفها كيانا مركبا، وجدانا وعقلا، بالصيغة السردية، التي يصر صاحبها أنها صيغته المبتغاة، والكتاب أحرار في ما يقولون أو يزعمون، لكن القراءة النقدية وهي تتحرك دائما في نطاق النظام الأدبي، غير الجامد بتاتا، لا تملك هذه الحرية، ولا تريدها، وإلا ستطلق الكلام على عواهنه، والحرص على النظام هو ما يلزم بقواعد التجنيس ويعطي للنص الأدبي قيمته. ثمة في الأخير احتمال يغري بانتماء هذا العمل إلى الجغرافية النصية التي رسمها الدارس المغربي رشيد بن حدو في كتابه في ‘جمالية البين ـ بين، في الرواية العربية’، هو لعمري أفق واعد بتحليل يزيده غنى ووجاهة، هو بهما جدير.
 

 

– عن القدس العربي

شاهد أيضاً

أمبرتو إيكو يفضح فساد إيطاليا في «العدد صفر»

*لينا هويان الحسن في رواية «العدد صفر» للإيطالي أمبرتو إيكو (دار الكتاب الجديد، ترجمة أحمد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *