الرئيسية / قراءات / غيفارا.. في ( الملاحظات الفلسفية ) ضد الحجارة الفكرية السوفييتية

غيفارا.. في ( الملاحظات الفلسفية ) ضد الحجارة الفكرية السوفييتية


د. طلعت شاهين

لم يتخيل أحد ممن تابعوا سيرة حياة المقاتل الثوري الأسطوري أرنستو تشي غيفارا، أن يكون من المهتمين بالفلسفة أو السياسة أو الأدب، وهو الذي عرفه العالم من خلال مغامراته القتالية في الأحراش، سواء خلال مشاركته في الثورة الكوبية أو مغامراته من أجل قيادة حركة مقاومة شعبية لتحرير العالم كله من الاستعمار، أو عندما شارك في الحرب الكونغولية قائداً لمليشياتها من أجل تحرير أفريقيا كلها، وإن كان فشله في هذه المهمة قد دفعه إلى الانتقال إلى بوليفيا منطلقاً منها لتنفيذ خطة كفاح مسلح لتحرير دول أميركا اللاتينية من الدكتاتوريات والأنظمة المدعومة بأسلحة المخابرات الأميركية، إلى أن تمكنت منه واغتالته في أكتوبر من عام 1967، معتقدة أنها بقتله تكون قد تخلصت من الثورة في أميركا اللاتينية وتكون قد حاصرت تلك الثورة في الجزيرة الكوبية وحدها.. هل يتخيل أحد أنه خلال تلك المغامرات وفي حياة جافة، سواء في الغابات الأفريقية أو في الغابات البوليفية، أن يجد هذا الطبيب المقاتل المصاب بالربو وقتاً للقراءة المنظمة وأن يكتب تعليقاته على ما قرأ أو حتى على ما يجري في العالم من أحداث سياسية واقتصادية، وأن تكون له رؤية واضحة المعالم يسجلها في دفاتر صغيرة بتواضع واضح، لأنه مع كل “ملحوظة” يعلن أنه لا يبدي سوى ما يراه صحيحاً ويتفق مع الواقع من وجهة نظره.

كتابة مطاردة

هذه المذكرات أو “الملاحظات الفلسفية” قدر لها أن تبقى وتعيش لتخرج إلى النور بعد 45 عاماً من اغتيال هذا المقاتل الثوري الأسطوري “تشي غيفارا”، فقط ظهر مؤخراً مجلد ضخم يقع في 400 صفحة يضم “ملاحظات فلسفية” كتبها غيفارا خلال وجوده مطارداً في الغابات حتى مصرعه على أيدي عملاء المخابرات الأميركية في بوليفيا.

يبدأ هذا المجلد برسالته التي كتبها لوزير التعليم الكوبي وقتها “أرماندو هارت” بعد فشل غيفارا في مغامرته الأفريقية وانتقاله إلى تنزانيا في انتظار السفر إلى أميركا اللاتينية ليبدأ المغامرة من جديد، يقول غيفارا في رسالته: “خلال إجازتي الطويلة هنا لم أجد شيئاً أحشر أنفي فيه سوى الفلسفة، وما أن بدأت قراءاتي فيها حتى واجهتني الصعوبة الأولى: إنه في كوبا لا يوجد أي شيء منشور عن الفلسفة، هذا إذا نحينا جانباً تلك الحجارة السوفييتية التي تمطرنا بكتب هدفها إبعادنا عن التفكير، وتجبرنا فقط على الإيمان بما هو فيها دون نقاش، لأن الحزب يقوم نيابة عنك ومن أجلك بعمل كل شيء وما عليك كشخص سوى القبول بما في تلك الكتب”. ويطرح تشي غيفارا في رسالته على وزير التعليم أن يتخذ من رسالته هذه نسقاً تعليمياً يمكن مراجعته والإضافة إليه أو الحذف منه لوضع منهاج لتعليم اللغة الفلسفية يعلّم الناس كيف يفكرون ويحللون وينتقدون.

ومن خلال “ملاحظات فلسفية” للمقاتل الثوري تشي غيفارا يمكننا أن نقرأ لغة انتقادية بل وحادة الانتقاد للاتحاد السوفييتي وطريقة الحزب الحاكم هناك في التفكير، معلناً أن الهدف من انتقاداته للاتحاد السوفييتي وزعمائه هو فصل كوبا عن الخط السوفييتي لخلق مدرسة فكرية اشتراكية حقيقية، ويقول: “لقد فعلنا الكثير على المستوى العملي، والآن علينا أن نتعلم كيف نفكر”.

من يطالع “ملاحظات فلسفية” لتشي غيفارا يكتشف أنه فقط في الفترة من 1965 وحتى اغتياله في أكتوبر 1967 أي في أقل من عامين قرأ مجموعة من المجلدات الضخمة في مختلف أنواع الكتابة وأنه لم تقتصر قراءاته فقط على الفلسفية النظرية في مجال الاشتراكية التي كانت هدفه، بل تنوعت قراءاته لتشمل: المجلدان 32 و33 من الأعمال الكاملة للينين، و”تاريخ القرون الوسطى” لكوسمنيسكي، والمجلد الرابع من مختارات وأقوال ماوتسي تونغ، ومجلدات عدة للزعيم الثوري الكوبي خوسيه مارتي، وكتاب “الفجر الأحمر” للكاتب الإسباني بيو باروخا، وملحمة “الإلياذة والأوديسا” الإغريقية لهوميروس، ومسرحية “ليلة القتلة” للكاتب الكوبي المثير للجدل “خوسيه تريانا” التي كانت سبباً في تهميشه من جانب قادة الثورة الكوبية رغم أهميته ككاتب ومفكر كوبي.

قراءات واسعة

شملت قراءات غيفارا خلال تلك الفترة أيضاً: “حياة مايكل أنجلو” لبابيني، و”الجزيرة والسيرك” للكاتب الإسباني جويتيسولو، وفي مجال المسرح قرأ لشكسبير “يوليوس قيصر” و”هاملت”، وقرأ كتاب كارل ماركس “إضافات نقدية للسياسة الاقتصادية”، إضافة إلى مراسلات كارل ماركس مع انجلز.

ومن خلال مجلد “ملاحظات فلسفية” الصادر عن مركز دراسات “تشي غيفارا” في هافانا نكتشف أن هذا المناضل الأسطوري لم يكن في حرب مع الامبرالية العالمية فقط، بل خاض حرباً ضد التفكير المتطرف في شرح وتفسير الاشتراكية، ونكتشف أيضاً أننا أمام مناضل ملتزم لكنه كرس جزءاً من نضاله ضد كل ما علق بالفكر الاشتراكي الذي يؤمن به من تفسيرات تعوق مسيرة هذا الفكر، ويرى أنه لا بد من تخليص الفكر الاشتراكي من كل تلك المعوقات و”التوجهات البيروقراطية التي كانت تهدف إلى تجميد الثورة، وتقليصها لتكن مختصة فقط ببلد واحد دون غيره”.

وإن كانت هناك تفسيرات كثيرة، أشارت من طرف خفي إلى أن سبب تركه رفيق نضاله في ذلك الوقت فيديل كاسترو وتخليه عن المنصب الوزاري الذي تولاه عقب نجاح الثورة الكوبية كان سببها هذه الخلافات الفكرية، لأنه كان يؤمن أن الثورة مستمرة ويجب ألا تتوقف بعد نجاحها في كوبا، لأنها ثورة عالمية من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، فإننا نعثر هنا في هذا المجلد “ملاحظات فلسفية” على أسباب أخرى تؤكد أن الخلافات الأعمق كانت فكرية، فنقرأ ملاحظات تنتقد ما وقع خلال الفترة الستالينية ويرى أنه يجب عدم السكوت عليه، بل يجب انتقاده من أجل تصحيح مسار الثورة وحتى لا يتكرر مستقبلاً، في تعليق له حول منشور سوفييتي عن “إقامة الاقتصاد الاشتراكي في البلاد الأوروبية ذات الديمقراطية الشعبية” كتب يقول: “يبدو هذا المنشور وكأنه موجه للأطفال أو موجه للأغبياء”.

– عن الاتحاد الاماراتية

شاهد أيضاً

هذا الحبّ المُستَحدث

*د. شهلا العجيلي يتحدّث (ويل ديربيشاير) في مقدّمة كتابه الذي يحمل عنوانَه مقالي هذا ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *